الخطيب الشربيني

213

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

كاملا لا يخلف وعده وهو إنسان ناقص فكيف بالإله الحق . ويعلموا أن الذي ساوى بينهم في الإيجاد من العدم وطورهم في أطوار الصور ، وفاوت بينهم في القوى والقدر ، وبين أحوالهم في الطول والقصر ، وسلط بعضهم على بعض بأنواع الضرر ، ومات أكثرهم مظلوما قبل القصاص والظفر ، لا بدّ في حكمته البالغة من جمعه العدل بينهم في جزاء من وفي أو غدر ، أو شكر أو كفر . ففي ذلك دلالة على وحدانية الله تعالى وعلى الحشر ، ثم ذكر تعالى نتيجة ذلك وعلله بقوله في أسلوب التأكيد لأجل إنكارهم . وعلى التقدير الأوّل يكون المتفكر فيه ما خَلَقَ اللَّهُ أي : بعز جلاله وعلوه في كماله السَّماواتِ وَالْأَرْضَ على ما هما عليه من النظام المحكم والقانون المتقن ، قال البقاعي : وإفراد الأرض لعدم دليل حسي أو عقلي يدلهم على تعدّدها بخلاف السماء ا . ه وقد يردّ هذا بقوله تعالى : خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [ الطلاق : 12 ] وَما بَيْنَهُما من المعاني التي بها كمال منافعهما إِلَّا خلقا متلبسا بِالْحَقِّ أي : الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع ، فإذا ذكر البعث الذي هو مبدأ الآخرة التي هذا أسلوبها وجد الواقع في تصوير النطف ونفخ الروح وتمييز الصالح منهما للتصوير من الفاسد يطابق ذلك ، وإذا تدبر النبات بعد أن كان هشيما قد نزل عليه الماء فزها واهتز وربا وجده مطابقا لأمر البعث ، وإذا ذكر القدرة فرأى اختلاف الليل والنهار وسير الكواكب الصغار والكبار ، وإمطار الأمطار وإجراء الأنهار ، ونحو ذلك من الأسرار رآه مطابقا لكل ما يخطر بالبال . ولما كان عندهم أن هذا الوجود حياة وموت لا إلى نفاد قال تعالى وَأَجَلٍ لا بد أن ينتهي إليه مُسَمًّى أي : في العلم من الأزل ، لذلك يفنى عند انتهائه وبعده البعث . ولما كانوا ينكرون أنهم على كفر أكد قوله تعالى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ مع ذلك على وضوحه بِلِقاءِ رَبِّهِمْ أي : الذي ملأهم إحسانا برجوعهم في الآخرة إلى العرض عليه للثواب والعقاب لَكافِرُونَ أي : لا يؤمنون بالبعث بعد الموت . فإن قيل : ما الفائدة في قوله تعالى ههنا وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ وقال من قبل وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ ؟ أجيب : بأن فائدته أنه من قبل لم يذكر دليلا على الأصلين وههنا قد ذكر الدلائل الراسخة والبراهين اللائحة ، ولا شك في أن الإيمان بعد الدليل أكثر من الإيمان قبل الدليل . فبعد الدليل لا بد أن يؤمن من ذلك جمع فلا يبقى الأكثر كما هو ، فقال بعد إقامة الدليل : و إِنَّ كَثِيراً وقال قبله : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لأنه بعد الدليل لا يمكن الذهول عنه وهو السماوات والأرض لأن من البعيد أن يذهل الإنسان عن السماء التي فوقه والأرض التي تحته ، فلهذا ذكر ما يقع الذهول عنه وهو أمثالهم وحكاية أشكالهم فقال : أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي : سير اعتبار ، وقوله تعالى فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم وهي إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم تقريرا لسيرهم في أقطار الأرض ، ونظرهم إلى آثار المدمرين كعاد وثمود كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ أي : العرب قُوَّةً أي : في أبدانهم وعقولهم وَأَثارُوا الْأَرْضَ أي : حرثوها وقلبوها للزرع والغرس والمعادن والمياه وغير ذلك وَعَمَرُوها أي : أولئك السالفون أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها أي : هؤلاء الذين أرسلت إليهم بل ليس لهم من إثارة الأرض وعمارتها كبير أمر ، فإن بلاد العرب إنما هي في جبال سود ، وفياف غبر ، فما هو إلا تهكم بهم وبيان لضعف حالهم في دنياهم التي لا فخر لهم بغيرها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي :